عبد الله بن سعيد الخفاجي الحنفي

35

سر الفصاحة

بذات المتكلم ينتقض بكل ما يقوم به من العلم والقدرة والحياة ، ثم السؤال فيه باق ، لأنه إذا قيل : فهذا الذي أوجب كون المتكلم متكلما أو قام بذاته ما هو ؟ فلا بدّ من الرجوع إلى ما قدّمناه من حده . وإذا كان كلامنا مبنيا على أن الكلام هو الصوت الواقع على بعض الوجوه ، وكان أبو علي الجبّائي يذهب إلى أنّ جنس الكلام يخالف جنس الصوت ، فلا بد من بيان ما ذهبنا إليه وفساد ما عداه ، والذي يدل على أن الكلام هو الصوت الواقع على بعض الوجوه أنه لو كان غيره لجاز أن يوجد أحدهما مع عدم الآخر على بعض الوجوه ، لأن هذه القضية واجبة في كل غيرين لا تعلق بينهما ، ولمّا استحال أن توجد الأصوات المقطعة على وجه مخصوص ولا تكون كلاما ، أو الكلام من غير صوت مقطّع ، دلّ على أنه الصوت بعينه . فأما من ذهب إلى أن الكلام معنى في النفس من المجبّرة « 1 » فإن الذي حملهم على هذا المذهب الواضح الفساد ظهور أدلة نظّار المسلمين « 2 » على حدوث هذا الكلام المعقول ، وتقديم بعض حروفه على بعض ، فلم يتمكنوا من الاعتراف بأنه من جنس الأصوات المتقطعة ، مع القول بأن كلام اللّه عزّ اسمه قديم ، فادعوا لذلك أن الكلام غير هذا الصوت المسموع ، وأنه معنى قائم في النفس ، ليسوغ لهم قدمه على بعض الوجوه ، فلجأوا من الاعتراف بالحق والانقياد بزمامه إلى محض الجهل وصرف الضلال ، ولو تجنّب خطابهم على هذا القول وعوّل في إفساده على حكاية مذهبهم لأغنى ذلك عند كافّة المحصّلين ، ولم يفتقر إلى استئناف دليل عليهم غير التأمل لما يدعونه ، والعجب مما يلتزمونه ويصرّحون به ، وحمدا للّه تعالى على ما أنعم به من الإرشاد ومنحه من الهداية ، لكن قد جرت عادة أهل العلم معهم بإيضاح الحق وإن كان غير خاف ، والتنبيه على الصواب وإن كان ليس بمشكل ، في جميع المذاهب التي تفرّدوا بها ، وإن جرت في البعد مجرى هذا المذهب ، فنحن نستدرك عليهم في هذه المسألة على طريقة

--> ( 1 ) هم من الفرقة الجبريّة التي تقول إنّ العبد مجبور وليس بمختار . ( 2 ) يعني أصحابه من المعتزلة القائلين : إن القرآن مخلوق وليس بقديم .